القاضي عبد الجبار الهمذاني

54

متشابه القرآن

ويجب أن يدل ذلك على أن المراد : ما بقوله بعض شيوخنا رحمهم اللّه ، من أن المراد به العقوبة ؛ لأنه خصهم بضرب من العقوبة ، من حيث كفروا ودانوا بالكفر فبين أنه تعالى يعاقبهم على ذلك في الدنيا بالذم والتوبيخ وإظهار ذلك ، وسماه ختما ، ثم لهم في الآخرة عذاب عظيم . وبعد ، فلو احتمل الختم أن يكون مفيدا « للمنع ، ولما « 1 » ذكرنا . لوجب صرفه إلى ما قلناه من حيث ثبت بالعقل أنه تعالى لا يجوز أن يأمر بالإيمان ويرغب فيه ويعد عليه ويزجر عن خلافه ، ويمنع مع ذلك منه ، ولا يجوز ذلك عليه وهو يقول : فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ « 2 » وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا « 3 » . وكل ذلك يوجب صحة ما قلناه . وإنما أراد بذكر الغشاوة ، أنهم لا ينتفعون بما يبصرون ويسمعون . فلإخراجهم أنفسهم من الانتفاع بذلك بترك الفكر فيه والاستدلال به ، صاروا بمنزلة من بينه وبين ما يراه ويسمعه حائل ، فصار ما فعلوه من الكفر والإعراض عن الطاعة والإيمان ، حالا بعد حال ، كالساتر لهم عما يسمعون ويبصرون . ولم يضف تعالى الغشاوة إلى نفسه ، كما أضاف الختم إليه ، فليس لأحد أن يدفع ما ذكرناه بهذا الوجه . 19 - مسألة : قالوا : وقد قال تعالى فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً « 4 » يعنى : كفرا وشكا ، وذلك يدل على أنه عز وجل يفعل الشك والكفر في قلوب الكافرين والمنافقين .

--> ( 1 ) د : للجميع لما . ( 2 ) سورة الانشقاق : 20 ، وفي الأصل : وما ، خطا . ( 3 ) ( وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى ) سورة الإسراء : 94 سورة الكهف : 55 . ( 4 ) الآية لعاشرة ، وتتمتها : « وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ » .